الشيخ محمد الصادقي

186

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

بعدما أكرموا أنفسهم بها ، فلا كرامة للعبد مهما بلغ الذروة ، الا كرامة العبودية ، فلا يزال العبد يكرم ربه بعبوديته ، كرامة لنفسه ان يعبده قَدَر مقدرته ، ثم المعبود يكرمه بكرامة على كرامته ان يخلصه لنفسه ، بعد ما اخلص هو نفسه لربه ، وأين اخلاص من اخلاص ، اخلاصٌ من العبد واخلاص من المعبود . فليس من اكرام اللَّه لهم ان يتخذهم له ولداً سبحانه ، فان الولادة التشريفية مستحيلة كما الحقيقية ، حيث التشريف مجاز وهو لا يجوز في الأمور المستحيلة ، وانما هو جواز عن الحقيقة الكائنة أو الممكنة . فقد يصح لعالم رباني ان يتخذ تلميذاً له صالحاً ولده تشريفاً له وذلك مسموح ، دون معنى البنوَّه الحقيقية أو التبني ، ولكنه لا يصح أو يمكن بحق الله ، قضية الامكانية في حقيقته هناك واستحالته هنا . وحتى لو أمكن ذلك الاتخاذ لم يكن فيه تشريف ، إذ لا شرف للعبد اشرف من شرف العبودية ولا يساميها اىُّ شرف ، وكما التشريف بالربوبية له مستحيل كذلك البنوَّة . ومن مواصفات هؤلاء العباد المكرمين التسليم السليم لرب العالمين : « لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ » ( 21 : 27 ) ليس هنالك اى سبق لهم على ربهم فيما امره اليه ، إرادة قولة أم فعلة « لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ » ( 66 : 6 ) . وعلَّ « القول » هنا يعم الأوليين كما تدل عليه « أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » ثم الثالثة تخصها « وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ » وهذه عصمة كاملة شاملة كل كيانهم دون ابقاء . وفي تقديم « بأمره » على « يعملون » حصر وتحتيم لاختصاص اعمالهم بأمر الله ، فلا يعملون عن امر أنفسهم ولا سواهم الا الله . وليس ذلك الأمر تكوينياً يسيّرهم دون اختيار منهم ، حيث « لا يسبقونه - / و - / يعملون » ينسبان السلب والايجاب إليهم ، والعمل المسيّر لا طاعة ولا معصية ! ثم امره يعم الفعل والترك ، ف « يفعلون » تعم فعل الفعل وفعل الترك ، تدليلًا على أن ترك